الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

169

مناهل العرفان في علوم القرآن

أن يثبتوا للأحرف الستة التي يقولون بضياعها نسخا ولا رفعا ، وأسلمهم هذا العجز إلى ورطة أخرى ، هي دعوى إجماع الأمة على أن تثبت على حرف واحد ، وأن ترفض القراءة بجميع ما عداه من الأحرف الستة . وأنّى يكون لهم هذا الإجماع ولا دليل عليه ؟ هنا لك احتالوا على إثباته بورطة ثالثة ، وهي القول بأن استنساخ المصاحف في زمن عثمان رضى اللّه عنه كان إجماعا من الأمة على ترك الحروف الستة والاقتصار على حرف واحد هو الذي نسخ عثمان المصاحف عليه ، مع أننا أثبتنا لك فيما مرّ بقاء الأحرف السبعة في المصاحف العثمانية حرفا حرفا ، ومثّلنا لذلك . وقصارى ما استطاعوا أن يسوّغوا به مذهبهم وتورّطاتهم هذه ، أن الأمة على عهد عثمان رضى اللّه عنه قد اختلفت في قراءات القرآن إلى حدّ جعلهم يتنازعون ويترامون بتكفير بعضهم بعضا ، حتى خيفت الفتنة ، فرأى الصحابة بقيادة خليفتهم الحكيم عثمان رضى اللّه عنه أن يعالجوا المشكلة ، ويطفئوا الفتنة ، بهذه الطريقة ، من جمع الناس على حرف واحد ، ونسخ المصاحف على حرف واحد ، وإهمال كل ما عداه من الحروف والمصاحف المنسوخة عليها . وهذا - لعمرك - استناد مائل ، واحتجاج باطل . فقد تنازع الناس على عهد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أيضا في قراءات القرآن على حروف مختلفة ، كما رأيت في الروايات السابقة ، ومع ذلك أقرّهم الرسول على هذه الحروف المختلفة ، وقرّرها فيهم ، وحملهم على التسليم بها في أساليب متنوّعة . وجعل ذلك هو الحلّ الوحيد لمشكلتهم ، والعلاج الناجع لنزاعهم . وأفهمهم أن تعدّد وجوه القراءة إنما هو رحمة من اللّه بهم ، بل بالأمة كلها . وقرّر في صراحة وهو يسأل مولاه المزيد من عدد الحروف أنّ الأمة لا تطيق حصرها في مضيق حرف واحد ، وقال : « وإنّ أمّتى لا تطيق ذلك » إلى آخر ما عرفت . وأنت خبير بأن أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم باقية إلى يوم القيامة . وهي لا تطيق ذلك كما قرّر رسولها المعصوم الرحيم صلوات اللّه وسلامه عليه . كما نشاهد نحن الآن من أن بعض الألسنة في بعض الشعوب الإسلامية ، لا يتيسّر لها أن تحسن النطق ببعض الحروف ولا ببعض اللّهجات دون بعض -